أبي حيان الأندلسي

257

البحر المحيط في التفسير

وقرأ الجمهور : أَمَّنْ خَلَقَ ، وفي الأربعة بعدها بشد الميم ، وهي ميم أم أدغمت في ميم من . وقرأ الأعمش : بتخفيفها جعلها همزة الاستفهام ، أدخلت على من ، ومن في القراءتين مبتدأ وخبره . قال ابن عطية : تقديره : يكفر بنعمته ويشك به ، ونحو هذا من المعنى . وقدره الزمخشري : خير أما يشركون ، فقدّر ما أثبت في الاستفهام الأول ؛ بدأ أولا في الاستفهام باسم الذات ، ثم انتقل فيه إلى الصفات . وقال أبو الفضل الرازي في ( كتاب اللوامح ) له : ولا بد من إضمار جملة معادلة ، وصار ذلك المضمر كالمنطوق به لدلالة الفحوى عليه . وتقدير تلك الجملة : أمن خلق السماوات كمن لم يخلق ، وكذلك أخواتها ، وقد أظهر في غير هذا الموضع ما أضمر فيها لقوله تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ « 1 » . انتهى . وتسمية هذا المقدّر جملة ، إن أراد بها جملة من الألفاظ فهو صحيح ، وإن أراد الجملة المصطلح عليها في النحو فليس كذلك ، بل هو مضمر من قبيل المفرد . وبدأ تعالى بذكر إنشاء مقر العالم العلوي والسفلي ، وإنزال ما به قوام العالم السفلي وقال : لَكُمْ ، أي لأجلكم ، على سبيل الامتنان ، وأن ذلك من أجلكم . ثم قال : فَأَنْبَتْنا ، وهذا التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة دالا على اختصاصه بذلك ، وأنه لم ينبت تلك الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح بماء واحد إلا هو تعالى . وقد رشح هذا الاختصاص بقوله : ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها . ولما كان خلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء ، لا شبهة للعاقل في أن ذلك لا يكون إلا للّه ، وكان الإنبات مما قد يتسبب فيه الإنسان بالبذر والسقي والتهيئة ، ويسوغ لفاعل السبب نسبة فعل المسبب إليه ، بين تعالى اختصاصه بذلك بطريق الالتفات وتأكيد ذلك بقوله : ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها . ألا ترى أن المتسبب لذلك قد لا يأتي على وفق مراده ؟ ولو أتى فهو جاهل بطبعه ومقداره وكيفيته ، فكيف يكون فاعلا لها ؟ والبهجة : الجمال والنضرة والحسن ، لأن الناظر فيها يبتهج ، أي يسر ويفرح . وقرأ الجمهور : ذاتَ ، بالإفراد ، بَهْجَةٍ ، بسكون الهاء ، وجمع التكسير يجري في الوصف مجرى الواحدة ، كقوله : أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ * « 2 » ، وهو على معنى جماعة . وقرأ ابن أبي عبلة ، ذوات ، بالجمع ، بهجة بتحريك الهاء بالفتح . ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها : قد تقدم أن نفي مثل هذه الكينونة قد يكون ذلك لاستحالة وقوعه كهذا ، أو لامتناع وقوعه شرعا ، أو لنفي الأولوية . والمعنى هنا : أن إنبات

--> ( 1 ) سورة النمل : 16 / 17 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 25 ، وسورة النساء : 4 / 57 .